الصالحي الشامي

64

سبل الهدى والرشاد

رأيهم عما كان ، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - يقول : ما كان فتح في الاسلام أعظم من صلح الحديبية ، وكان الناس قصر رأيهم عما كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ربه ، والعباد يعجلون ، والله - تعالى - لا يعجل لعجلة العبد حتى يبلغ الأمور ما أراد ، لقد رأيت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينحرها بيده ، ودعا الحلاق رأسه فانظر إلى سهيل يلقط من شعره ، وأراه يضعه على عينيه ، واذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية بان يكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم " فحمدت الله - تعالى - الذي هداه للاسلام . ذكر ما انزل الله سبحانه وتعالى في شان غزوة الحديبية : قال الله سبحانه وتعالى " انا فتحنا لك فتحا مبينا " بينا وظاهرا ، وهذا اخبار عن صلح الحديبية ، وسماه فتحا لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوه الصلح ، وتسبب عنه فتح مكة ، وفرغ به - صلى الله عليه وسلم - لسائر العرب فغزاهم ، وفتح مواضع . وروى البخاري عن أنس - رضي الله عنه - في الآية قال : الفتح صلح الحديبية ( 1 ) . وروى أيضا عن البراء رضي الله عنه - قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية . قال الحافظ رحمه الله يعني قوله تعالى : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم : والتحقيق : أنه يختلف باختلاف المراد من الآيات . فقوله - تعالى : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) المراد بالفتح هنا الحديبية ، لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح الذي وقع من الامن ورفع الحرب وتمكن من كان يخشى الدخول في الاسلام والوصول إلى المدينة من ذلك ، كما وقع لخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص وغيرهما ، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا ، إلى أن كمل الفتح . قال الزهري : لم يكن في الاسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال ، فلما أمن الناس كلهم ، كلم بعضهم بعضا ، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، ولم يكلم أحد بالاسلام يعقل شيئا الا بادر إلى الدخول فيه ، فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الاسلام قبل ذلك أو أكثر .

--> ( 1 ) البخاري 8 / 447 ( 4834 ) .